الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
78
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالذكر إعراضهم عنه . والمعنى : أرسلنا إليهم القرآن ليذكّرهم . وقيل : إضافة الذكر إلى ضميرهم معنوية ، أي الذكر الذي سألوه حين كانوا يقولون لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [ الصافات : 168 ، 169 ] فيكون الذكر على هذا مصدرا بمعنى الفاعل ، أي ما يتذكرون به . والفاء على هذا الوجه فاء فصيحة ، أي فها قد أعطيناهم كتابا فأعرضوا عن ذكرهم الذي سألوه كقوله تعالى : « لو أن عندنا ذكرا من الأولين ( أي من رسل قبل محمد صلى اللّه عليه وسلّم ) لكنا عباد اللّه المخلصين فكفروا به » ، وقول عباس بن الأحنف : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا * ثم القفول فقد جئنا خراسان وقوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ [ المائدة : 19 ] . والتعبير عن إعراضهم بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات إعراضهم وتمكنه منهم . وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بذكرهم ليكون إعراضهم عنه محل عجب . [ 72 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 72 ] أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 ) ( أم ) عاطفة على أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ [ المؤمنون : 70 ] وهي للانتقال إلى استفهام آخر عن دواعي إعراضهم عن الرسول واستمرار قلوبهم في غمرة . والاستفهام المقدر هنا إنكاري ، أي ما تسألهم خرجا فيعتذروا بالإعراض عنك لأجله شحا بأموالهم . وهذا في معنى قوله تعالى قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [ سبأ : 47 ] على سبيل الفرض ، والتقدير : إن كنت سألتكم أجرا فقد رددته عليكم فما ذا يمنعكم من اتباعي . وقوله : أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * [ القلم : 46 ] كل ذلك على معنى التهكم . وأصرح منهما قوله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [ الشورى : 23 ] . وهذا الانتقال كان إلى غرض نفي أن يكون موجب إعراضهم عن دعوة الرسول جائيا من قبله وتسببه بعد أن كانت الاستفهامات السابقة الثلاثة متعلقة بموجبات الإعراض الجائية من قبلهم ، فالاستفهام الذي في قوله أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً إنكاري إذ لا يجوز أن يصدر عن الرسول ما يوجب إعراض المخاطبين عن دعوته فانحصرت تبعة الإعراض